الأحد، 21 مايو 2017

مقالة جدلية اللغة والفكر

العلاقة بين اللغة والفكر (خاص بشعبتي الآداب وفلسفة واللغات الأجنبية)
السؤال: هل يمكن تصور وجود أفكار خارج إطار اللغة؟
الأسئلة المشابهة: *هل يمكن التفكير فيما نعجز عن قوله؟ *هل بإمكان اللغة أن تعبر عن كل أفكارنا؟
*هل يمكن للإنسان أن يفكر دون لغة؟ *هل القدرة على التفكير تتناسب مع القدرة على التبليغ؟
شرح المصطلحات: الفكر: هو عمل العقل الذي يتم داخل الذات.
اللغة: منظومة الأصوات والرموز التي ينطق بها الإنسان.
المقــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــال:

 -1- طرح  الاشكال:                                                                                                 لا شك بأننا في عملية التواصل مع الغير نستعمل الألفاظ اللغوية للتعبير عما يجول في خاطرنا من أفكار وأحاسيس ومشاعر، فكثيرا ما تحضرنا الأفكار فنبحث عن الألفاظ اللغوية المناسبة للتعبير عنها، فنوفق مرة ونخفق أخرى، ولكن بصرف النظر عن ذلك فنحن أمام مفهومين مختلفين هما اللغة والفكر. فإذا كانت اللغة مجموعة من الإشارات والأصوات والرموز المستخدمة للدلالة على الأشياء أو على حالات معينة يعيشها الإنسان. وقد عرفها لالاند بأنها: " كل نسق من الإشارات يمكن أن يستعمل للتواصل"، و عرفها الجرجاني أيضا بقوله: " هي ما يعبر به كل قوم عن أغراضهم "، واعتبرها جورج غوسدورف الشرط الضروري والكافي للدخول في الحظيرة الإنسانية. كل هذا جعل من اللغة خاصية إنسانية فريدة من نوعها. وإذا كان الفكر يعني إعمال العقل في الأشياء للوصول إلى معرفتها، أو هو فعالية عقلية تستخدم الفعاليات العقلية العليا مثل الذاكرة والإدراك والتخيل. فلقد اهتم الكثير من الفلاسفة والعلماء بمشكلة العلاقة بين الفكر واللغة، وقد اختلفوا في ذلك وانقسموا بين منتصر للفكر، ومنتقص من شأن اللغة، وبين موحد بينهما في ثنائية لا تنفصل، على اعتبار أن الفكر وأفعاله وما ينتجه من مفاهيم ومعاني، يقابله في اللغة الألفاظ والكلمات ورموز التعبير. ومن هنا حق لنا أن نتساءل: هل يمكن للفكر أن يوجد في غياب اللغة التي تعبر عنه؟ وهل بالإمكان اصطناع لغة دون فكر يحكمها ويوجهها؟ وبعبارة أخرى: هل الفكر منفصل عن اللغة ومستقل عنها، أم أنه لا يمكن أن يوجد خارجا عنها باعتبارهما شيء واحد؟
-2- محاولة حل  المشكلة  :                                                                                         -1- الموقف الاول :                                                                                              يرى عدد من الفلاسفة وعلى رأسهم الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون، أن الفكر سابق اللغة، كما أنه يمثل ديمومة مستمرة، ولذلك فهو يختلف عن اللغة التي تمثل وحدات منفصلة. واستدلوا على ذلك بأدلة وحجج منها: أنه كثيرا ما تخطر بأذهاننا أفكار ومشاعر نابضة بالحيوية وانفعالات لا نستطيع التصريح بها، فاللغة في مثل هذه الحالة تعجز عن الإحاطة بكل ما يجول بخاطرنا من أفكار، ويبرر برغسون وأتباعه من أصحاب الاتجاه الثنائي أسبقية الفكر عن اللغة بتأكيدهم على أن الفنانين والرسامين قد اتخذوا سبلا أخرى غير اللغة للتعبير عن مكنوناتهم، فمنهم من اتخذ من الرسم طريقا للتعبير عن أحاسيسه ومشاعره وهذا وفق مبدأ صورة أفضل من ألف كلمة، ذلك لان الصورة أكثر إفصاحا من اللغة وهذا ما يؤكده سلوك الصم والبكم الذين يتميزون بتفكير سليم ومنطقي لكنهم يستعملون الرموز والإشارات التي تختلف عن لغة الكلمات للتعبير عن أفكارهم.
 يرى كذلك ديكارت أن الفكر أكثر أهمية من اللغة، فالفكر عنده يمثل دليل وجود الإنسان وهذا ما نجده في مقولته المشهورة: "انا أفكر إذن أن موجود.
 وتبعا لهذه الاعتبارات، يمكن القول أن برغسون وأنصار الاتجاه الثنائي يرون أن الفكر أوسع من اللغة، من حيث الشكل والمضمون والقيمة والدلالة.
 - نقد :                                                                                                          غير أن تصفح حيثيات هذا الموقف يجعلنا نلمس تحيزا واضحا للفكر وإهمال لدور اللغة، ونحن نعلم أن اللغة هي التي تخرج الفكرة من الغموض إلى الوضوح، إذ هي التي تجعل الفكر يتحقق ويتجسد في أرض الواقع، هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن عجز اللغة عن مسايرة الفكر أحيانا يعود إلى محدودية ما نملكه من ثروة لغوية، وليس إلى اللغة في حد ذاتها، حيث بينت الأبحاث العلمية أن الأطفال الذين لا يتعلمون اللغة يفتقدون إلى العديد من الصفات الإنسانية، أما عن مسألة الفنون كالرسم وما إلى ذلك ليست في حقيقتها إلا لغات خاصة بمجالات معينة توسع من مجال اللغة.
-2- عرض الموقف الثاني :                                                                                     في مقابل الاتجاه الثنائي يذهب عدد من أنصار الفلسفة المثالية وأنصار الفلسفة الوضعية وعلماء النفس المعاصر إلى أن اللغة والفكر شيء واحد، فالرغبة في التفكير بدون كلمات كما يقول هيجل: " لهي محاولة عديمة المعنى... فالكلمة تعطي للفكر وجوده الأسمى والأصح " ويقول ستالين: " لا توجد أفكار عارية مستقلة عن اللغة " ويقول واطسن: "التفكير هو ضرب من الكلام الصامت"، ولقد اعتمد هؤلاء على العديد من الأدلة والحجج لتبرير موقفهم أهمها: أبحاث علم النفس وما لاحظه ألان كون أن الطفل يتعلم الفكر واللغة في نفس الوقت، فهو يكتشف أفكاره من خلال العبارات التي يستعملها بل حتى الإنسان الراشد لا يستطيع التفكير بدون لغة لأن اللغة والفكر متلاحمان، وكلما اتسعت ثروة الفرد اللغوية، زادت قدرته على التعبير، وبذلك ينمو الذكاء وتزداد نسبته، فاللغة حسب لافيل " ليست ثوب الفكر، بل هي جسده... وفي غياب اللغة لا يوجد فكر ". كما أن اللغة تصبغ الفكر بالصبغة الاجتماعية فتنقله من الطبع الذاتي ليصير خبرة إنسانية قابلة للتداول بين الناس، بالإضافة إلى أن اللغة توضح المعاني وتميز بعضها عن بعض، وتعمل على صيانتها. فالاعتقاد بوجود نشاط فكري دون لغة مجرد وهم، فاللغة عماد التفكير الصامت ولولا اللغة لتعذر على الإنسان التفكير في حقائق الأشياء.
 - نقد:                                                                                                              لكن ورغم قوة حجج هذا الاتجاه واعتماده على التجارب العلمية وعلى الواقع، إلا أن الواقع يؤكد من جهة أخرى اتساع سقف الفكر عن سقف اللغة، كما أن اللغة إذا لم تكن مضبوطة بالفكر لتحولت إلى أداة خطيرة تخون الإنسان في التعبير عن المعاني المراد تبليغها، خصوصا إذا كانت الألفاظ مبهمة وغامضة لهذا قيل قديما: "إن أول الحرب كلمة".
 - التركيب :                                                                                                       مما سبق وبعد الوقوف على حجج القائلين بأسبقية الفكر عن اللغة والقائلين بأنهما جوهر واحد، يمكننا القول أن علاقة الفكر باللغة هي علاقة تكامل، حيث لا يمكن الاستغناء عن طرف دون الآخر، ولو سلمنا بأسبقية الفكر عن اللغة فهي أسبقية منطقية لاغير، وفي هذا الصدد يقول دولا كروا: "إن الفكر يصنع اللغة في نفس الوقت الذي يصنع فيه من طرف اللغة" أو كما قال مولر: "إن العلاقة بين الفكر واللغة شبيهة بوجهي قطعة النقد". إذن علاقة الفكر باللغة هي علاقة ديالكتيكية أو جدلية.                                                                                                            (ابراز الرأي الشخصي)
- خاتمة :                                                                                                       نستنتج من خلال كل ما تقدم أن اللغة مرتبطة ارتباطا ضروريا بالفكر، كما أن الفكر يرتبط ارتباطا ضروريا باللغة، فلا لغة بدون فكر ولا فكر دون لغة، فهما وجهين لعملة واحدة، وعليه لا يمكن تصور أفكار خارج اللغة، لان العلاقة بين الأفكار والكلمات هي علاقة تكامل وتداخل ولا يمكن بأي حال من الأحوال الاستغناء عن اللغة في الحياة اليومية بصفة عامة، وفي التفكير بصفة خاصة فهي وكما قال الفيلسوف الوجودي مارتن هايدغر: "بيت الوجود

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق